سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

38

رسائل في الفلسفة والعرفان

فلا حاجة لك من خارج ، وفكرك فيك وما تفكّر ، أما تسمع لقول [ 1 ] الحقّ عزّ وجل : ( إِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) [ 2 ] ، فمن قرأ هذا الكتاب فقد علم ما كان وما هو كائن وما هو يكون ، فإن لم تقرأه [ 3 ] بتمامه فاقرأ ما تيسّر منه ؛ ألا ترى كيف يقول الحقّ سبحانه : ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحقُّ ) [ 4 ] وكيف يقول سبحانه : ( وفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبصِروَن ) [ 5 ] ، وكيف يقول سبحانه : ( ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ) [ 6 ] الألف يشاربه إلى الأحديّة الذاتيّة ؛ أي الحقّ من حيث هو أوّل الأشياء في أزل الآزال ، واللام يُشار به إلى الوجود المنبسط على الأعيان ، فإنّ اللام له قائمة ، وهي الألف ، وله ذيل ، وهي دائرة النون ، والنون عبارة عن دائرة الكون ، فاتّصال القائمة بالذيل دليل انبساط الوجود على الكون ، والميم يشار به إلى الكون الجامع ، وهو الإنسان الكامل ، فالحقّ والعالَم والإنسان الكامل كتاب لا ريب فيه . وكذلك قال اللَّه تعالى : ( قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهيداً بَيْني وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ ) [ 7 ] ، فهذا يا ولدي هو الكتاب ، وعلم الكتاب ، وأنت الكتاب كما قلت ، وعلمك بك علم الكتاب ، ( وَلا رَطْبٌ - أي عالم الملك - وَلا يابِسٌ - وهو عالَم المكوّنات ، ولا أعلى منه - إلّافي كِتابٍ مبين ) [ 8 ] وهو أنت . وأما الكتاب الذي أُنزل على الإنسان الكامل فهو بيان المراتب الكلّية الجُمليّة والجزئية والتفصيلية الإنسانيّة ، فهو بيان الكتاب ، والإنسان الكامل مرتبة وحدته وجمعيّته ، وقد فصّل مراتب تفصيله ؛ لأنّه يبيّن الفرق بين مقاماته ومراتبه وأطواره وأدواره وذاته وصفاته وأفعاله ؛ لأنّه يحكي عن الذات والأسماء والصفات والأفعال ، وعن العوالم وأهلها ، ومراتب العوالم وأهلها ، وأحوال العوالم وأهلها في كلّ موطن من المواطن ، وعن اقتضاء أهلها إجمالًا وتفصيلًا ، وهذه تفاصيل

--> [ 1 ] في الأصل : بقول . [ 2 ] الإسراء : 14 . [ 3 ] في الأصل : تقرأ . [ 4 ] فصّلت : 53 . [ 5 ] الذاريات : 21 . [ 6 ] البقرة : 1 . [ 7 ] الرعد : 43 . [ 8 ] الأنعام : 59 .